التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجهاد الشعبي


قبل تغول الدولة القومية القطرية الحديثة محتكرة القوة والسلاح على المجتمع والجماهير والشعوب انتزعت الأنظمة من الشعوب والمجتمعات مقوماتها ومقدراتها الأهلية التي تمكنها من الصمود والمواجهة والاشتباك مع الاستعمار أو الاحتلال أو الاستبداد (الاحتلال المحلي الوظيفي) وأفقدته المناعة ضده واستباحت كرامته لتصادر أي إمكانية للفعل التصحيحي الوطني المقاوم للفساد والإستئساد السلطوي المنظم الذي دأبت النخب الاستبدادية العربية الحاكمة على ممارسته (الاشتراكية والقومية والرأسمالية) .

إذ مارست هذه النخب الاستبدادية التحديث السلطوي من أعلى بأجندة حداثية وأدوات سلطوية حديثة شملت والأجهزة الأمنية والقطاعات العسكرية السلطوية المسيسة وأجهزة الإعلام والإرشاد والتعليم ، فنابت عن الاستعمار بالدولة الوظيفية الخاضعة وأزاحت عنه مهمة السيطرة والإخضاع المكلف الذي يتطلبه الحضور الاستعماري المباشر ؛ والذي يفرض على المستعمر اعتبارات إنسانية وقيمية تبريرية لا يحتاجها المستبد المحلي المنفصل عن فضاؤه الشعبي قيمياً وثقافياً ووطنياً بحكم علمنته وتغربه وعولميته الاقتصادية وارتهانه السياسي والاستراتيجي بالقرار الخارجي حينها المحتل الوظيفي المحلي إلى القمع والعنف لعلاج وتجاوز أزمة الشرعية الداخلية وإلى التحديث التبريري القسري المرتبط أيضاً بالقمع والعنف مع الداخل الشعبي (تجربة محمد علي وعبد الناصر والسادات)

هذا التحديث يتحرك معرفياً ومنهجياً في إطار التقليد للغربي الوافد ويعمم الخصوصية الغربية المرتبطة بسياقها المجتمعي والتاريخي ليضفي عليها كونية وعالمية يبرر بها النقل الحرفي عنها ! ، لم يصنع حداثة أصيلة (تحديث وهمي دون حداثة حقيقية) ولم يحفظ للمجتمع بنيته التي تسمح له بالصمود والمقاومة ,,, إذ أتى المشروع التحديثي التغريبي المعلمن الذي قاده محمد علي لتأسيس دولة القمع والقهر والاستبداد على حساب الكيانات الأهلية والمجتمعية الأصيلة ممثلة في الأزهر والأوقاف والتعليم الأهلي والوقف الأهلي (وكذلك فعل عبد الناصر في لحظة تاريخية تالية مشابهة!) مما أنتج حداثة منفصلة عن مجتمعها فشلت جيوشها النظامية في المواجهة العسكرية (معاهدة لندن ، ونكسة 67) ولم تبقى للمجتمع روحه النضالية الجهادية الشعبية وقيمه الثورية التحررية الاستقلالية فكان الاحتلال الإنجليزي لمصر بلا مقاومة شعبية تماثل مقاومة الفرنسيين في أزقة وأحياء ومساجد القاهرة الشعبية .

وبإضافة عامل العلمنة السلطوية التي فرضتها الأنظمة الاستبدادية من الأعلى باستخدام أدوات الدولة الوظيفية (الإعلام التعليم التربية الثقافة الصحافة ...) فقد المجتمع مقوماته الصمودية النضالية سواء المؤسسية منها (الكيانات الأهلية كالوقف والتعليم الأهلي) ، أو الوجدانية والتربوية والثقافية (من خلال عمليات العلمنة) ، أو الشبكات الاجتماعية التضامنية التراحمية التي توفر حاضنة لصمود شعبي في المواجهة (من خلال عمليات التحديث وإلغاء العلاقات التراحمية الاجتماعية واستبدالها بعلاقات تعاقدية نفعية بحتة)

لكن التحولات الاجتماعية التي رافقت ثورة المعلومات ومجتمعات المعرفة واستفادت منها الأجيال الجديدة التي لم تقرأ التاريخ ولم تأسرها التجربة والخبرة فتمكنت من تكوين علاقات شبكية جديدة متكئة على الأداة الاتصالاتية التواصلية الحديثة وانتقلت بها من العوالم الافتراضية إلى الميدان ! هذه الشبكات التي أشعلت الثورات ، وحمت الثورات ، يجب استثمارها وتشغيلها في حالة تحررية تضامنية وحدوية مناصرة لمواجهة العدوان الاحتلالي الإحلالي الصهيوني ، والعدوان الاستبدادي الدموي السلطوي (حالة الأسد والقذافي مثلاً) ، وهذا ليس محض مشروعاً تحررياً وإنسانياً (تحرير الأوطان وحفظ كرامة ودم الإنسان) وإنما مشروعاً حضارياً يعيد الاعتبار للأمة والجماعة والمجتمع في مقابل السلطة والدولة والنظام السياسي ، ويخفف من وطأة كيان الدولة الثقيل فوق المجتمع ويمكّن للأمة من ممارسة أدوارها الرسالية العالمية بشكل لا يستورد التجربة القومية الغربية التي تقضي على مؤسسات الأمة الأهلية والمالية والاجتماعية والرسالية .

ان الخطوة التالية في مواجهة مشروع الاستبداد والاحتلال هي تكوين نواة دفاعية شعبية تحررية تنهض بعبء تحرير الأوطان والإنسان وتحقق النموذج القيمي الإسلامي الذي جسدته الثورات العربية (التضامني التكافلي التراحمي التكاملي التآذري) وتحفظ دماء الإنسان الذي فشلت النخب العسكرية الوظيفية (نتيجة تبعية العقيدة العسكرية وضمور الحس الاستقلالي) في حفظه كما تتجلى الثورة السورية الفاضحة الكاشفة ، وكما تجلى سابقاً في الحروب الوظيفية التي خاضتها هذه الجيوش لحسابات غير وطنية (حرب العراق – حرب الثماني سنوات – ضرب ليبيا والسودان والتصعيد مع إيران -....) وهذا يتسق مع ما أنتجته الحالة ما بعد ثورية من استعادة دور الفاعل الشعبي كأهم فاعل مؤثر في المشهد بعد إفلاس النخب ، ويستدعي نماذج تاريخية قريبة لقدرة الدفاع الشعبي المقاومة الشعبية على تحقيق نتائج وإحراز نجاحات فشلت النخب العسكرية النظامية في تحقيقها (المقاومة الشعبية في السويس – حرب فلسطين: 1948 – المقاومة الشعبية في ليبيا ضد الطليان وفي الجزائر ضد الفرنسيين – كتائب الإخوان في فلسطين ...) وربما تكون تجربة "الجيش المرابط" المصري الذي شكله عبد الرحمن عزام قبل الحرب العالمية الثانية نموذج مثالي لتكامل الإرادة الشعبية والرسمية والدعم العربي والإسلامي لمقاومة الإنجليز .

وفي المقالات المقبلة تفصيل في نموذج المقاومة الشعبية وتطبيقه في الحالة السورية كمخرج وحيد لصون دماء الإنسان وسيادة الأوطان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ظريف وخفيف رغم المحن

نقلا عن موقع مصراوى غموض حول موت كلب السفيرة الامريكية بالقاهرة مسموما بحديقة السفارة بعد أيام قليلة من اعتمادها كسفيرة للولايات المتحده فى القاهرة بدأت السفيرة الامريكية مارجيت سكوبى عملها بالقاهرة بحادث مثير بعد أن توفى أحد كلابها مسموما بشكل مفاجئ وغريب وذلك بحديقة السفارة الامريكية بمنطقة جاردن سيتى بالقاهرة. ورفض مصدر بالسفارة الامريكية نفى الخبر أو التصديق عليه وقد تم التحفظ على جثة الكلب لتشريحة لمعرفة أسباب الوفاة وما إذا كان هناك شبة وراء الحادث أم لا. ورجح أحد المسئولين بالسفارة أن يكون سبب الوفاة هو تناول الكلب كمية من سم الفئران بحديقة السفارة التى يتم وضعها بالحديقة لمنع دخول الفئران الى مقر السفارة والقضاء عليها. يذكر أنه كان قد تعرض كلب السفير الاسرائيلى بالقاهرة شالوم كوهين لنفس الحادث فى العام الماضى بعد أن عثر على كلبه الخاص مسموما فى حديقة منزله بمنطقة المعادى . ورجح حينها أن يكون قد تناول الكلب سماً. احلى ما فى الموضوع تعليقات المصريين بعد هذه الحادثه المفزعه وهذا العمل الحقير اصبحت مصر بلا امن او امان انا اول واحد هاخد علتي واهلي واروح اعيش واقضي بقيت عمري في...

نشرة اخبار عربية

(1) العالم فوضى يا سادة وشعوب تجتاح شعوبا وشعوب تسقط كالعادة في بلد ما.. من موطننا شعب يتعرض لإباده في الشرق نصنع حكاما نصنع جبروتا لا قادة نصنع طاغوتا يقمعنا ويفرغ فينا أحقاده ونظل نغمض أعيننا نشكو نتباكى كالعادة ما أسهل أن تحكم شعبا مسلوبا من غير إرادة أسوأ كارثة في الدنيا أن يحكم عبد أسياده ********* ( 2 ) أما من ناحية أخرى في الغد السادسة مساء سيمر الحاكم يتجول وخطوط السير بأكملها من أجل الحاكم تتحول في الفجرسنخرج نصط ف نهتف نتزاحم نلتف وتدق الكف على الكفب الروح بالدم نفديك يا مولانا من يتوانى من يتباطأ سيحاكم فورا يا سادة والحكم أصبح معروفا إعدام طبعا كالعادة ********* ( 3 ) أما عن حالة مولان ا فيقول هناك مراسلنا من عشر دقائق قد نام قد أكل كثيرا مولانا والآن يقول مراسلنا مولانا دخل الحمام بعد دقائق سنوافيك م ببقية حال مولانا عفوا .. قد جاء من القصرمولانا قد صلى العصرطبعا كالعادة يا سادة من غير وضوءمعذور دوما مشغول بأمور رعاياه السوء ويقول مراسلنا أيضا مولانا البطل الضرغام أصدر منشورا مكتوبا محتويا بعض الأحكام تبني مدرسة في روما وتهد جميع مدارسنا من مصر لحدود الشام ********* ( 4 ...